الذهبي
318
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وحدّث بنيسابور ، وبغداد ، وهراة ، وهمذان ، وأصبهان ، والرّيّ ، والحجاز . واستملى بعد أبيه على شيوخ نيسابور كأبي بكر بن خلف الشّيرازيّ فمن بعده . وكان شيخا متيقّظا ، له فهم ومعرفة ، فإنّه خرّج لنفسه « عوالي مالك » و « عوالي سفيان بن عيينة » ، والألف حديث « السّباعيّات » . وجمع عوالي ما وقع له من حديث ابن خزيمة في نيّف وثلاثين جزءا ، وعوالي ما وقع له من حديث السّرّاج ، نحوا من ذلك . وعوالي عبد اللَّه بن هاشم ، وعوالي عبد الرحمن بن بشر ، « وتحفة [ ( 1 ) ] العيدين » ، ومشيخته . وأملى بنيسابور قريبا من ألف مجلس ، وصار له أنس بالحديث . وكان ذا نهمة في تسميع حديثه ، رحل في بذله كما يرحل غيره في طلب الحديث ، وكان لا يضجر من القراءة . قال ابن السّمعانيّ : كان مكثرا متيقّظا ، ورد علينا مرو قصدا للرواية بها ، وخرج معي إلى أصبهان ، لا له شغل إلّا الرواية بها . وازدحم عليه الخلق . وكان يعرف الأجزاء . وجمع ، ونسخ ، وعمّر . فقرأت عليه « تاريخ نيسابور » في أيّام قلائل ، فكنت أقرأ من قبل طلوع الشّمس إلى الظّهر ، ثمّ أصلّي وأقرأ إلى العصر ، ثمّ إلى المغرب . وربّما كان يقوم من موضعه . وكان يكرم الغرباء يعيرهم الأجزاء ، ولكنّه لا يخلّ بالصّلاة إخلالا ظاهرا وقت خروجه معي إلى أصبهان ، فقال لي أخوه وجيه : يا فلان ، اجتهد حتّى تقعد هذا الشّيخ ولا يسافر ويفتضح بترك الصّلاة . وظهر الأمر كما قال أخوه ، وعرف أهل أصبهان ذلك وشنعوا عليه ، حتّى ترك أبو العلاء أحمد بن محمد الحافظ الرواية عنه ، وضرب على سماعاته منه . وأنا فوقت قراءتي عليه التّاريخ ، ما كنت أراه يصلّي ، وأوّل من عرّفنا ذلك رفيقنا أبو القاسم الدّمشقيّ ، قال : أتيته قبل طلوع الشّمس ، فنبّهوه فنزل ليقرأ عليه وما صلّى ، وقيل له في ذلك ، فقال : لي عذر وأنا أجمع بين الصّلوات كلّها . ولعلّه تاب في آخر عمره ، واللَّه يغفر له [ ( 2 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] في سير أعلام النبلاء 20 / 11 « تحفتي العيدين » . [ ( 2 ) ] قال ابن الجوزي : « ومن الجائز أن يكون به مرض ، والمريض يجوز له الجمع بين الصلوات ،